السبت، 16 يناير 2016

من حياة طبيب - قصص حقيقية




مشهد 1

استقبال الجراحة - مستشفى جامعي

شاب عشريني يجري حاملا على ساعديه شاباً آخراً فى مثل عمره ، يتدلى سكين من صدره من موضع القلب تماما ، يجتاز البواية الرئيسية عدوا ، يستطيع كل الأطباء على بعد عشرات الأمتار تشخيص وفاة ذلك الشاب المحمول ، فكل العلامات تشير إلى موته و منذ فترة ليست بالقصيرة ، السكين .. كمية الدماء .. الشحوب الزائد .. الزرقة .. خفتان البريق ، يستمر فى عدوه و خلفه جمع من الشباب حتى وصلوا غرفة الجراحة  و إذا بالشباب يصيحون بأعلى أصواتهم : "فين الدكاترة ولاد المـ**ـا*ـه اللى هنا ؟؟"

يدخل إلى الغرفة نائب الجراحة ، لم يكن يحتاج لسماعة طبية لتشخيص الوفاه و لكنه وضعها على صدره أمامهم و يقول فى صوت خفيض و رأس مطأطأ : "البقاء لله يا جماعة." و إذا بحالة هياج و سعار تمتد لتلتهم كل ما حولها ؛ الغرفة بمحتوياتها بمن فيها و ما حولها ، الجميع أصيب فى ذلك اليوم بمن فيهم رجل الشرطة المتواجد و بالطبع تم الإفراج عن الجميع بحجة : "اعذروهم برضه ما هما لسه ميتلهم شاب و ما كانوش فى حالتهم الطبيعية."

مشهد 2

مستشفى عام

بعد أعوام يعاني فيها الطبيب كطبيب مقيم يعمل و يدرس و يحاول أن يعيش بما يلقى له من فتات الأموال من الدولة أو من تلك المستشفى الخاص ، يستطيع أخيرا أن يلتقط أنفاسه حين يصبح أخصائيا بعد عمر طويل ، فلا سكن للأخصائيين فى معظم المستشفيات الحكومية لأن الأطباء المقيمين هم المطلوب منهم التواجد فى كل لحظة أما الأخصائي ذو الأربعين ربيعا فما فوقهم فلا يتواجد إلا للإشراف أو التدخل فى الحالات الصعبة التى تحتاج حقا لخبرته.

تتوجه سيده للولادة العاجلة إلى المستشفى الساعة الثانية بعد منتصف الليل ، يستقبلها الطبيب المقيم و ينسى - لكثرة الحالات غالبا - إبلاغ الأخصائي بوجود الحالة من الأساس و يبدأ فى التعامل معها ، تسوء الحالة و تصبح الولادة متعسرة ، يموت الطفل فى الثامنة و الربع صباحا ، وقتها يتذكر إبلاغ الأخصائي الذى انتهت فترة عمله فيخبره بأنه لا يجوز له التدخل فى الحالة حيث أن الأخصائي المتواجد من الثامنة صباحا هو من يتدخل ، و قد فقدنا الطفل فعليا فلا شئ يستدعي تدخلنا الآن ، و بالفعل أجريت للأم عملية فى الثامنة و النص صباحا و خرجت معافاه و لكن دون طفلها.
تقوم تلك الأسرة بشكوى قانونية ضد الأخصائي المتواجد فى فترة السهر و بالفعل تكال له التهم و السباب و اتهامات التقصير بالرغم من أنه من أكفأ الموجودين و أحرصهم على العمل و أكثرهم محبة لخدمة الناس ، يبتزون الطبيب و يجمع كل ما استطاع جنيه من أموال و أصول ليبلغ خمس ما يطلبونه من الجنيهات لكي يتنازلوا عن القضية ، و وسط تلك الحملة الشعواء ضد الأطباء تم الحكم عليه بالسجن لمدة سنة ، هى و للمصادفة آخر سنة فى حياته الوظيفية.

مشهد 3

مستشفى خاص

تقضى حياتك كطبيب هنا و هناك فى مصر و خارجها بحثا عن علم ، عن خبرة و عن مال ، و عندما يأتي المال تكون قد قاربت الستين من العم ، تحاول استثمار كل ما استطعت جَنيه سواء هو لك أو لأفراد أسرتك و أحبابك و تتشارك مع أربع أو خمسه من أصدقائك و تبدأون سويا حلم إنشاء مستشفاكم الخاص المستقل و تبدأون فى بنائه لبنة لبنة حتى يكتمل و تجلبون إليه الأجهزه و تضعون فيه القوانين كما رأيتموها خلال رحلتكم الوظيفية. النظام و النظافة أهم ما يميز مشروعكم الجديد ، تسدد ضرائبك و تدفع الأجور لجميع العاملين في وقت استحقاقها ، يتحول الستشفى إلى صرح ضخم يفضِّل العمل به أغلب الجراحين الآخرين و يزدحم بالعمالة و التمريض و الأطباء.
و فى لحظة يدخل المكان فرد من أفراد القوات المسلحة و يستصدر قرارا بمنع دخول مدير المستشفى و أصحاب الأسهم و المشاركين من الباب بل و إحالتهم إلى النيابة ، هكذا بكل بساطة.

إذا كنت طبيبا فى هذه البلاد و لم تفكر فى الهروب فابحث لك عن طبيب نفسي.
جميع المشاهد حدثت بالفعل.

المشهد من آخر يوم بامتحانات التحريري لدفعة 2013 بطب طنطا ، ربنا ارحمنا و لا تكتب علينا البقاء هنا