السبت، 15 سبتمبر 2012

يوميات مغترب -1- برد



تُقرأ في 3 دقائق

لعل أحد أهم الأحلام التى تراودني هو حلم السفر و العمل فى الخارج - ألمانيا تحديداً - و فى هذه اليوميات أكتب عن تحقيقى لهذا الحلم ، أدون التفاصيل التى أظن أنى لن أكتبها لانشغالى أو لتوقف يدى عن الكتابة أو لابتعادى عن تلك الهواية الرائعة .. فهى خواطر لن أكتبها .. أعلم أنى سأقرها بعد 5 سنوات من الآن و من يدرى قد أضحك أو أبكي ...

أخيرا تهبط الطائرة فى مطار هامبورج الدولى بعد رحلة طويلة استغرقت ساعتين و نصف أضف إليها ساعتين لكى تصل لمطار القاهرة هم أشق ما فى الرحلة و فور نزولى أرض المطار حرصت على التقاط صورة لى و رفعها على فيسبوك و تويتر ليعرف أصدقائى بوصولى و تنهال اللايكات والكومنتات في التو و اللحظة .. تعلو وجهى ابتسامة خفيفة لم أكن أعرف أنها ستكون الأخيرة لهذا اليوم ، فالوافدون من البلاد العربية - خاصة الذين يحملون تأشيرات للسعودية على جوازات سفرهم - يحصلون على استقبال مختلف فى مطارات الاتحاد الأوروبى .. أكثر من ساعة و نصف في انتظار الفحوصات الأمنية و تفتيش الحقائب و ما إلى ذلك من إجراءات لم يمر بها المواطن الفرنسى الذى كان بجوارى .. كم أكره تلك التفرقة على أساس الجنسية أو الدين و لكنى مكتوف الأيدى أبكم اللسان هنا.
و ها أنا قد خرجت سالماً من المطار مرتديا أثقل ما عندى من ملابس خاصة و أنى مسافر فى شهر نوفمبر و إلى واحدة من ولايات الشمال التى لا تتجاوز درجة الحرارة فيها فى أحمى فصول الصيف وقت الظهيرة الـ 5 درجات سيليزية ! ، منعتنى الثلوج المنهمرة و البرد الشديد من استنشاق نفس عميق لو استنشقة لكنت حتماً أصبت بالتهاب رؤى حاد ! يا إلهى ، أنا أرتدى "الدولاب" كله تقريبا و بالرغم من ذلك لا أشعر بأطرافي التى تكاد تتجمد ! و أنت هنا فى بلاد لا يأخذك بها أحد تحت شمسيته لوجه الله ، و لا يقدّر معاناتك إلا وافد من بلاد الشرق مثلك.
أهرول عائدا إلى المطار حيث الدفء و شركات النقل و حجز الفنادق .. و فجأة أشعر كمن فقد الذاكرة لتوه .. ماذا أقول هنا ؟ بم أبدأ الحوار ؟ كيف كانوا يقولوها ؟؟ و أسمع العديد يتحدثون و لكنى لا أفقه كلمة واحدة بالرغم من إتقانى الشديد للغة الألمانية التى درستها لما يفوق 3 سنوات ، لكن الوضع هنا مختلف حيث مواطنون يتحدثونها بطلاقة و سرعة عجيبة لم أسمع مثلها فى مصر ، يا إلهى ، هل هذه اللغة التى تعلمتها ؟؟!!

Hamburg International Airport | By : Enrico Berger



و باستخدام أحد أجهزة الخدمة الذاتية علمت أن على الانتظار لست ساعات أخرى حتى موعد أقرب قطار يقلنى إلى تلك البلدة على مشارف هامبورج (اتسيهو) و التى قبلتنى إحدى مستشفياتها للعمل فيها بعد عناء أكثر من 15 شهر من المراسلة  المتواصلة و إجراء المقابلات الشخصية عبر Skype .. لم يعد بإمكانى انتظار هذه المدة فبحثت عن أقرب شركة توفر لى سيارة تقلني إلى تلك البلده ، و كمن بدأت تعود له الذاكرة شيئاً فشيئاً نجحت فى إجراء أول حوار حقيقى بالألمانية ، صدمنى الموظف بالسعر ،لا أعرف إذا كنت أتعرض للنصب نظراً للهجتى الغريبة ؟؟ و كيف أتأكد ؟؟ من سيرشدنى هنا ؟؟
تقبلت الأمر و ذهبت لتلك السيارة لم تكن فارهة كالكامرى أو الشيفرولية الذى كنا نركبه فى جدة أو الرياض .. سيارة عادية و الشوارع عادية بل قل كئيبة فها هى الساعة العاشرة مساءاً و المحال التجارية معظمها مغلقة .. الظلام يعم أرجاء المدينة فلا معالم سياحية تظهر و لا حتى بشر وكأنى وحدي من يستقل طرقاتهم ، عجباً لنا لا نتعلم منهم إلا ما فيه شرٌ لنا و لا نتعلم منهم مثلا ثقافة النوم مبكراً و الاستيقاظ مبكراً ، فاليوم يبدأ هنا الساعة السادسة صباحاً ، أما ما نعرفه عنهم هو أنهم يسهرون يرقصون و يسكرون فى الديسكو حتى الصباح و لم نجد من يخبرنا أن هؤلاء قوم يسهرون على مكاتبهم و على إنجاز أعمالهم و قراءاتهم طوال أيام الأسبوع و فى نهاية الأسبوع يسهرون على ما يحلو لهم.
لم أجد ما أقوله لسائق التاكسى و لم يحدثنى هو أيضا فى أى شئ طوال الطريق ففى الغالب قد أخافته "السلام عليكم" أو ملامحى العربية  استغرق الصمت حوالى ساعة حتى تلك البلدة التى تبعد 50 كيلومترا فقط من هامبورج ! 
و عند وصولك بلدة غريبة لاتعرف أحداً فيها لابد لك من البحث عن فندق تبيت فيه ليلتك حتى تتواجد فى الصباح فى مكان عملك ، كان هذا هو شغلى الشاغل طوال الطريق ، البحث عن فندق قريب للمستشفى على Google Maps و قمت بإرشاد السائق عبر البرنامج حتى وصلنا ، الفندق ليس كتلك الفنادق الفاخرة التى تلف الحرم المكى أو النبوى ، الخدمة عادية للغاية و الغرف كذلك ، لم أجد ما يبهرنى فى تلك البلاد إلى الآن !
كل ما كنت أحتاج اليه هو النوم و فقط ، لم أجد ما أرتديه فى ذلك البرد القارس خير مما أنا مرتديه بالفعل .. و ما أجمل النوم و انت مُتعب .

Street in Hamburg | By : Jan-Philip Borges